ابن أبي العز الحنفي
185
شرح العقيدة الطحاوية
صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس » « 154 » . وقال : « إن اللّه يحدث من أمره ما يشاء ، وإنما أحدث أن لا تكلّموا في الصلاة » « 155 » . واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامدا لغير مصلحتها بطلت صلاته . واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب ، من تصديق بأمور دنيوية وطلب - لا يبطل الصلاة ، وإنما يبطلها التكلم بذلك . فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام . وأيضا : ففي « الصحيحين » عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن اللّه تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها ، ما لم تتكلم به أو تعمل به » « 156 » . فقد أخبر أن اللّه عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم ، ففرق بين حديث النفس وبين الكلام ، وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به ، والمراد : حتى ينطق به اللسان ، باتفاق العلماء . فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة ، لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب . وأيضا ففي « السنن » : أن معاذا رضي اللّه عنه قال : يا رسول اللّه ، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال : « وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم » « 157 » . فبين أن الكلام إنما هو باللسان . فلفظ « القول » و « الكلام » وما تصرف منهما ، من فعل ماض ومضارع وأمر واسم فاعل - : إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظا ومعنى . ولم يكن في مسمى « الكلام » نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء أهل البدع ، ثم انتشر . ولا ريب أن مسمى الكلام والقول ونحوهما - ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول
--> ( 154 ) مسلم وغيره من حديث معاوية بن الحكم ، « صحيح أبي داود » ( 862 ) و « الارواء » ( 390 ) . ( 155 ) النسائي وغيره بسند حسن ، وعلقه البخاري مجزوما « صحيح أبي داود » ( 857 ) . ( 156 ) : متفق عليه ، من حديث أبي هريرة « ارواء الغليل » ( 2062 ) . ( 157 ) رواه الترمذي وغيره بسند فيه انقطاع ، وقد بين ذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي في « شرح الأربعين » بيانا شافيا ، فليراجعه من شاء .